دائمًا هنالك شخص ما قبلك


 دائمًا هنالك شخص ما قبلك

تزوج قبلك, 
بنى بيتًا قبلك,
توظف قبلك,
سافر قبلك.

الناس اعتادوا أن يجعلوا التجربة شرطًا للحديث، وكأن المعرفة لا تُكتسب إلا بمرورك بنفس الطريق. فإذا اردت ان تنصح أحدهم في الزواج وأنت لم تتزوج بعد، ردّ عليك بجملة جاهزة: “بعدين بتتزوج وتفهم.”
وإن حدثت عاطلًا عن العمل بنصيحة حول الجدّية أو تطوير الذات، قال لك مستهزئًا: “إنت أول شي لاقي وظيفة بعدين تعال علّمني.” 
 لكن المدهش أنّ هؤلاء أنفسهم إذا تحدثوا عن أمر مرّوا به لمرة واحدة، صاروا خبراء فيه، ينصحون ويُفتون وكأنهم اكتشفوا الحقيقة المطلقة.

 في موقف شخصي حصل لي منذ فترة،

 كنت أحدث أحد أصدقائي عن دولة لم أزرها بعد، لكنني شاهدت عشرات الوثائقيات عنها، قرأت مقالات وتقارير، سمعت تجارب مسافرين عاشوا هناك، بل ولدي أصدقاء من تلك الدولة نفسها. كنت متحمسًا أنقل هذه المعرفة.

وفجأة قاطعني شخص ببرود:

 “أنت قد زرتها ؟”

قلت: “لا، لكنها على رأس أولوياتي، وهذه السنة أنوي زيارتها.”

رمقني بنظرة متعالية وردّ عليّ باستهزاء:

 “إذن لا تتكلم عن شيء لا تعرفه… لا يوجد على هذه المعمورة ما هو اجمل من هذه الدولة وتلك واسترسل في سرد رحلاته واطال فيها واردف ذلك قائلا ليس كل ما يقال يصدق.”

تعجبت من حاله، وكأن المعرفة محصورة فقط في تذكرة طيران وختم جواز سفر.

لكن ما اثار فضولي حقا هو تعقيبه "ليس كل ما يقال يصدق " ما ذا كان يقصد؟

هل كان يقصد انه لا يجب ان أُصدق كل ما يقال ام أن ما قالهُ لا يجب ان يُصدق

 

أين المشكلة؟ 

المشكلة ليست في حرصهم على “التجربة”، بل في حصرهم للمعرفة في التجربة وحدها.
التجربة مهمة، نعم، لكنها ليست الطريق الوحيد للفهم.

هل كل مؤرخ عاش الحروب التي كتب عنها؟
هل كل طبيب أصيب بالمرض الذي يعالجه؟ 
هل كل معلّم رياضيات اكتشف النظريات بنفسه؟

 

المعرفة تتشكل من: قراءة، استماع، مشاهدة، بحث، تجربة الآخرين، وأحيانًا التجربة الشخصية.

فلماذا نلغي كل هذه المصادر فقط لمجرد أنك “لم تمرّ بنفس الحدث”؟


 

طرق التعامل مع هذا النوع من الناس من وُجهة نظري المتواضعة، 
لا تنزل لمستوى أسلوبهم، لأنك إن فعلت صرت نسخة مكررة منهم، والنسخة دومًا أقل قيمة من الأصل.
ذكّرهم بلطف –أو بسخرية خفيفة– أن الشخص لم يكن بحاجة ليعيش كل مرض حتى يصبح طبيبًا، ولا ليخوض كل حرب حتى يكون مؤرخًا. وإذا وجدت أن النقاش بدأ يتحول إلى حلبة ملاكمة كلامية، انسحب بأناقة ودعهم يتصارعون مع أوهامهم وحدهم.والأهم من ذلك كله: لا تسمح لهم أن ينتزعوا ثقتك بنفسك،

فالمعرفة ليست امتلاك تجربة واحدة، بل القدرة على فهم التجارب جميعًا. والتجربة بدون وعي أو فهم قد لا تزيد صاحبها إلا عنادًا، بينما الساعي للفهم ولو من بعيد، قد يرى ما لا يراه الغارق في الداخل.

وفي النهاية، النقاش مع هذا النوع من البشر لا يختلف كثيرًا عما وصفه مارك توين حين قال: “لا تجادل الأغبياء، سينزلونك إلى مستواهم ثم يهزمونك بخبرتهم في الغباء.” وكأنهم قضوا عمرهم في التدريب على هذا النوع من المعارك العقيمة. ونختم بما قال ادريس جمًاع " ان من اشقاه ربي ، كيف أنتم تُقنعوه"


تعليقات