
دائمًا هنالك شخص ما قبلك تزوج قبلك,
بنى بيتًا قبلك,
توظف قبلك,
الناس اعتادوا أن يجعلوا التجربة شرطًا للحديث، وكأن المعرفة لا تُكتسب إلا بمرورك بنفس الطريق. فإذا اردت ان تنصح أحدهم في الزواج وأنت لم تتزوج بعد، ردّ عليك بجملة جاهزة: “بعدين بتتزوج وتفهم.”
وإن حدثت عاطلًا عن العمل بنصيحة حول الجدّية أو تطوير الذات، قال لك مستهزئًا: “إنت أول شي لاقي وظيفة بعدين تعال علّمني.”
كنت أحدث أحد أصدقائي عن دولة لم أزرها بعد، لكنني شاهدت عشرات الوثائقيات عنها، قرأت مقالات وتقارير، سمعت تجارب مسافرين عاشوا هناك، بل ولدي أصدقاء من تلك الدولة نفسها. كنت متحمسًا أنقل هذه المعرفة.
وفجأة قاطعني شخص ببرود:
“أنت قد زرتها ؟”
قلت: “لا، لكنها على رأس أولوياتي، وهذه السنة
أنوي زيارتها.”
رمقني بنظرة متعالية وردّ عليّ باستهزاء:
“إذن لا تتكلم عن شيء لا تعرفه… لا يوجد على هذه المعمورة ما هو اجمل من
هذه الدولة وتلك واسترسل في سرد رحلاته واطال فيها واردف ذلك قائلا ليس كل ما يقال يصدق.”
تعجبت من حاله، وكأن المعرفة محصورة فقط في تذكرة
طيران وختم جواز سفر.
لكن ما اثار فضولي حقا هو تعقيبه "ليس كل ما
يقال يصدق " ما ذا كان يقصد؟
هل كان يقصد انه لا يجب ان أُصدق كل ما يقال ام أن
ما قالهُ لا يجب ان يُصدق
أين المشكلة؟
هل كل طبيب أصيب بالمرض الذي يعالجه؟
المعرفة تتشكل من: قراءة، استماع، مشاهدة، بحث، تجربة الآخرين، وأحيانًا التجربة الشخصية.
فلماذا نلغي كل هذه المصادر فقط لمجرد أنك “لم تمرّ بنفس الحدث”؟
فالمعرفة ليست امتلاك تجربة واحدة، بل القدرة على فهم التجارب جميعًا. والتجربة بدون وعي أو فهم قد لا تزيد صاحبها إلا عنادًا، بينما الساعي للفهم ولو من بعيد، قد يرى ما لا يراه الغارق في الداخل.
وفي النهاية، النقاش مع هذا النوع من البشر لا يختلف كثيرًا عما وصفه مارك توين حين قال: “لا تجادل الأغبياء، سينزلونك إلى مستواهم ثم يهزمونك بخبرتهم في الغباء.” وكأنهم قضوا عمرهم في التدريب على هذا النوع من المعارك العقيمة. ونختم بما قال ادريس جمًاع " ان من اشقاه ربي ، كيف أنتم تُقنعوه"
تعليقات
إرسال تعليق