في زمنٍ لم تعد فيه الفكرة تُقاس بعقلها، بل
بعدد مشاهداتها، تحوّلت “الهبّة” أو “الترند” إلى ديانةٍ عصرية، يتبعها الناس
طوعًا دون أن يسألوا: من بدأها؟ ولماذا؟ ولماذا عليَّ أن أكون جزءًا منها أصلًا؟
يكفي أن تُبدي إحدى المؤثرات إعجابها بسوارٍ، أو أن يلتقط أحدهم صورة وهو يحتسي
مشروبًا غريب الاسم، حتى يتحول المنتج إلى “ضرورة حياتية”، وتختفي القطع من السوق
كما لو أنها دواء سحري لا غنى عنه. الناس اليوم لم يعودوا يشترون الأشياء لحاجتهم
إليها، بل لحاجتهم أن يُروا وهم يمتلكونها. هذا هو جوهر ثقافة القطيع او كما أسميه
مخلفات ثقافة القطيع، حيث تُدار الأذواق والعقول بخيوط خفية، ويمتلك صغار العقول
قدرةً هائلة على تحريك جماهير ضخمة، لأن الجماهير – ببساطة – تخلّت عن نعمة
التفكير واستبدلتها براحة الاتباع.
من
المؤسف أن يُختزل الوعي الجمعي في رأي “مؤثرة” لا يتجاوز فكرها حدود شاشة الهاتف،
ومع ذلك، تُوجَّه الأذواق والقرارات من خلالها. أصبح “السفيه” يتحدث، والعاقل
يتفرج بصمت، لأن المنابر أصبحت تمنح للأكثر ضجيجا. القصة لا تتعلق بالمنتجات فقط،
بل بعقلية كاملة. خذ مثال القهوة، تلك الحكاية الصغيرة التي تلخص حركة المجتمع
بأكمله. بدأت القهوة يومًا بسيطةً: سادة، سوداء، واضحة كالصدق. ثم جاء من أراد
“التميّز” فأضاف الحليب، فصفّق له الناس وعدّوه مبتكرًا. تبعه آخر أضاف نكهة
البندق، ثم ثالث سمّاها “كورتادو”، وكأن التغيير في الاسم يصنع مجدًا جديدًا.
شيئًا فشيئًا، امتلأت المقاهي بمشروبات تحمل عشرات المسميات لشيءٍ واحد: قهوة
بالحليب. لكن، كما هي الحياة، يدور الزمن ويعود كل شيء إلى أصله. لذلك ظهر من قال:
“كفى عبثًا، عودوا إلى القهوة الأصل، السوداء الصادقة!”، فتهافت الناس عليه
قائلين: “أخيرًا وجدنا من يخلّصنا من صخب الموضات!”، مع أنهم أنفسهم كانوا من
صنعوا تلك الموضات بالأمس. إنها الدائرة الأبدية التي نعيشها جميعًا: نبدأ من
الأصل، نملّ البساطة، نخترع الزوائد، نضيع في الفروع، ثم نعود لنحتمي بالأصل من
جديد. وهكذا، تستمر الدائرة، لا في القهوة فقط، بل في كل جوانب الحياة: في
الأزياء، في الكلام، في القيم، بل حتى في القناعات. الثقافة الحديثة لم تعد تبحث
عن المعنى، بل عن “التميّز” اللحظي. لم يعد الإنسان يسأل: “هل هذا جيد؟” بل يسأل:
“هل هذا منتشر؟”. الشهرة صارت مقياس القيمة، والمحتوى يُقاس بعدد الإعجابات لا
بعدد العقول التي غيّرها. والمفارقة أن هذا الجنون يُدار بذكاء منظم؛ هناك من يعرف
كيف يزرع فكرةً صغيرة في عقول الناس، فيحوّلها إلى موضةٍ عامة، ثم إلى عادة، ثم
إلى “ضرورة”، حتى يصدقها الجميع. نحن نعيش في زمنٍ لم تعد فيه السيطرة بالسلاح، بل
بالتأثير. فـ”المؤثر” اليوم يملك ما لم يملكه الخطيب القديم ولا الفيلسوف العظيم:
القدرة على إقناع الملايين خلال دقيقة واحدة، دون أن يقول شيئًا عميقًا.
قد
تبدو القصة طريفة حين نتحدث عن قهوة أو ساعة يد، لكنها في الحقيقة مرآة لخللٍ
أكبر. حين يفقد الإنسان حسّه بالتمييز بين ما يريده حقًا وما يُراد له أن يريده،
يصبح تابعًا حتى لو ظنّ نفسه حرًّا. وحين تُقاد الشعوب من قبل مَن لا يملكون
الوعي، تتحول القرارات إلى نكاتٍ ثقيلة، والاتجاهات إلى موجاتٍ من العبث. ثقافة
“الهبّة” ليست سوى عرضٍ جانبي لمرضٍ أعمق: فراغ داخلي يبحث عن أي شيء ليملأه، حتى
لو كان تافهًا. ولذلك، لن تتوقف هذه الدائرة ما لم يتعلم الفرد أن يقول: “لا”، أن
يفكر قبل أن يتبع، أن يختار قبل أن يُقلّد. ربما تكون القهوة مثالًا بسيطًا، لكنها
تقول لنا بوضوح: ما نراه جديدًا ليس سوى نسخة أخرى من القديم، مغلّفة باسمٍ آخر.
وما لم نكسر دائرة القطيع، سنظل نعيش في عالمٍ يبيعنا الوهم باسم “التميّز”،
ونشتريه طائعين باسم “الترند”.
هذا المقال مشتق من اخر بعنوان ثقافة القطيع سينشر لاحقا.

تعليقات
إرسال تعليق