لماذا يا ترى لا نتقدم؟!


  

 

في كل مؤسسة أو شركة، لا يخلو المشهد من نمط معين من المديرين الذين لا يعكس منصبهم بالضرورة كفاءتهم أو قدراتهم الحقيقية

مزعجون، غير مفيدين، ويحتلون مساحة أكبر من اللازم. هؤلاء لم يصلوا إلى الكرسي بذكاء ولا بإنجاز، بل بالواسطة، أو الحظ، أو لأن من فوقهم انخدع بخطبة عصماء ملأى بالكلمات الكبيرة.

 

وما إن يجلس صاحبنا على الكرسي حتى يتحول فجأة إلى “جنرال عسكري”. يقنع نفسه أنه الوحيد الذي يرى المشهد من الأعلى، بينما في الحقيقة كل ما يراه هو موظفون يتصببون ضجرًا من كثرة المراقبة. يعيش صراعًا داخليًا يدرك فيه أنه لا يستحق المكانة التي يشغلها. وللتغطية على هذا الشعور، يصبح قاسيًا متجهمًا، يرى الجميع دونه. يسلب آراء موظفيه، ويخنق حريتهم،

ناقدًا لكل من حوله، متحكمًا في أصغر التفاصيل. فبدلًا من أن يكون مصدر إلهام ودعم، يتحول إلى عقبة تحد من حرية الآخرين وإبداعهم.

 

 يعيش في حالة شك دائم، كأنه يلاحق الأشباح:

كاميرات في كل زاوية، تقارير تحقيق، مندوبون متخفيون كأننا في فيلم تجسس رديء الإنتاج.

 

الذي يدعو للشفقة على حاله انه فعلا يرى نفسه فيلسوفًا، محللًا، خبيرًا في كل مجال. لكن في الحقيقة، هو مجرد شخص يخاف أن يُكتشف ضعفه، فيغطيه بالسيطرة والقمع. لا يُنتج بيئة عمل ناجحة، بل بيئة خانقة، تقتل الإبداع وتكافئ التملق.

 

أما الأفكار؟ فويلٌ لمن يجرؤ أن يلمع أمامه! إذا جاء موظف بفكرة ذهبية، سيكسرها على الفور، لأنها ببساطة لم تخرج من “فمه العظيم”. بل ويقلل من شأنها وكأنها هراء، فقط لأنها جاءت من موظف “أصغر”. وفي المقابل، لا تمر ورقة ولا إيميل ولا حتى محادثة عابرة دون أن يضع توقيعه و”بصمته التاريخية”.

 

في توزيع المهام ترى العجب. فهو ينظر إلى أهم موظف في القسم على أنه “الأخطر”، فيُعاقبه بتكليفه بأتفه المهام التي يمكن لأي شخص القيام بها، ويغرقه بطلبات لتقارير ورقية لا تنتهي. بينما يسند المهام البارزة والواجِهة، تلك التي تعطي صورة أمام الإدارة، إلى أشخاص لا يفقهون شيئًا. لماذا؟ لأن هؤلاء الصغار يقدسونه على “ثقته العظيمة” فيهم، ويضمن بذلك ولاءهم المطلق. فهم لا يملكون العلم الكافي لمناقشته، ولا الجرأة لفضح ضعفه، فيبقى متربعًا على عرش الوهم بأمان

  

والامر والادهى من ذلك أنه خبير في كل شيء. كرة القدم؟ محلل منقطع النظير. السياسة؟ سياسي فذ ومخضرم. الفن؟ ناقد لا يشق له غبار. حتى في أمور المطبخ ربما يدلي بدلوه! وإذا كنت تشجع فريقًا غير فريقه، فهذا إعلان رسمي أنك “جاهل” لا تفهم لا في الرياضة ولا في الدنيا.

 

إنه شخص يرى نفسه الموسوعة المتحركة، بينما في الحقيقة هو مجرد عنوان للفشل الإداري. لا يصنع بيئة عمل صحية، بل مسرحية عبثية يتوزع فيها الموظفون أدوار المتفرجين الصامتين، خوفًا من “بطل الرواية” الذي لا يريد أن ينزل عن خشبة المسرح.

 

الطامة الكبرى أن المؤسسة التي تضع هذا النوع على رأس القسم، هي نفسها التي تقتل الكفاءات ثم تبكي لاحقًا على ضعف الأداء وتتساءل لماذا لا نتقدم؟!

 

فيا عزيزي الموظف، إذا وجدت نفسك تحت إمرة “مدير بالصدفة”، تذكر أنك في عرض كوميدي طويل ومملا جدا… لكنه للأسف بلا ضحك.

 

والسؤال الأهم الذي يجب أن يُطرح: هل المؤسسات هي من تصنع هؤلاء المديرين، أم أن غياب أنظمة الاختيار العادلة هو ما يفتح الباب أمام “مديري الصدفة” ليكبلوا طاقات من يستحقون فعلًا؟

 

 

 

تعليقات

  1. كل الشكر والتقدير لك ي أستاذ : دوس الزهراني

    طرحك عميق جدًا، ويلامس معاناة متكررة في كثير من البيئات العملية. ما تصفه هو نتاج خلل مؤسسي مزدوج:

    1. من جهة المؤسسة: عندما تكون المعايير شكلية (ولاء، مجاملة، قرابة، سنوات خدمة بلا إنجاز) بدلًا من الكفاءة والقدرة على القيادة، فهي فعليًا تنتج “مديري الصدفة”.


    2. من جهة الأنظمة: غياب آليات واضحة وعادلة للتقييم والاختيار يفتح الباب واسعًا للعشوائية والمحسوبية، فيتحول المنصب القيادي إلى “مكافأة شخصية” بدل أن يكون “أداة لتطوير الأداء”.



    والنتيجة الحتمية: ضياع الكفاءات، إحباط المتميزين، ثم ندب الحظ السيئ والشكوى من ضعف النتائج وكأن السبب مجهول!

    ردحذف
  2. مقال رائع وواقعي، يصور بدقة كيف يقتل المدير بالصدفة الإبداع داخل المؤسسات.

    ردحذف
  3. واقعي جدًا… وكأن الكاتب يصف ما نراه يوميًا في بيئة العمل.

    ردحذف

إرسال تعليق