انظر إليهم في أي مجلس قبل دخول “الكبير”، تجدهم طبيعيين، يتحدثون، يضحكون، يبدون وكأنهم بشر. ولكن بمجرد أن يدخل الشيخ أو المسؤول، تراهم كأنهم تبدلوا: أصواتهم تهدأ فجأة، ضحكاتهم تتحول إلى قهقهات مصطنعة، عيونهم تلمع كالقطط التي تنتظر قطعة لحم. كأنّ أحدهم ضغط زرًّا فتغيّرت وجوههم جميعًا.
أتباع الشيوخ، و”الديكور” المصاحب لأي مسؤول. تلك البقرات الضاحكة التي تضحك على أتفه النكات، وكأنها لم تسمع في حياتها شيئًا أظرف. يصفقون عند كل كلمة. يتظاهرون بالدهشة وكأنهم سمعوا اكتشافًا علميًا خطيرًا.يعزفون على وتر المشاعر ودغدغة الأنا.
أنهم لا يكتفون بالنفاق لأنفسهم، بل يفرضونه على غيرهم. إذا لم
تشاركهم الضحك المصطنع، اتهموك بالوقاحة. وإذا لم تصفق بحرارة، نظروا إليك كأنك
ارتكبت جريمة. إنهم عبيد الصورة، وحراس الوهم، يرون في تزيين الباطل بطولة، وفي
قول الحق تهورًا. يبررون خنوعهم بمغالطات مكشوفة: “الاحتكام للكبير حكمة”، “التواضع
أدب”، بينما هم في الحقيقة لا يمارسون تواضعًا، بل عبودية. يصغرون أنفسهم عمدًا،
يصغرون كل من حولهم، حتى يرفعوا صورة “الكبير” أكثر مما يستحق. وكلما زاد
انبطاحهم، زادوا إيمانًا أنهم أذكياء عاطفيًا. الموكب الذي
يعوي خلف القافلة. الكثير من الضجيج، وجوه متشابهة لا فرق بينها وبين الأقنعة.
تراهم يركضون خلف كل سلطة، يمدحونها حتى لو كانت فارغة، يقدسونها كما تُقدس البقر
في بعض البلدان. فالمهم عندهم ألا يخسروا مقعدهم قرب “الظل الكبير”.
لم يعودوا يخجلون من نفاقهم. في الماضي كان المنافق على الأقل يُخفي تناقضاته، أما اليوم فقد صاروا يتبجحون بها. يتحدث أحدهم بفخر عن “ذكائه العاطفي” لأنه استطاع أن يضحك على المسؤول، أو يفتخر بأنه صمت عند سماع كذبة ضخمة لأنه “ليس من الحكمة الاعتراض”. صار الانبطاح بالنسبة لهم دبلوماسية، والنفاق استراتيجية، والتصفيق المستمر أسلوب حياة.
هؤلاء المتملقون هم الخطر الحقيقي على أي مجتمع، أكثر خطرًا من أي عدو خارجي. لأن العدو يُرى بوضوح، بينما هم يعيشون بيننا بوجوه ضاحكة وألسنة معسولة، يزينون الخطأ ويبررون العجز، حتى يصبح الوهم حقيقة. إنهم وقود الاستبداد وزينة الطغيان، ومن دونهم لما استمر شيخ متكبر ولا مسؤول فارغ.
يقول عنترة:
"لا تسقني ماء الحياة بذلة ، بل فاسقني بالعز كأس الحنظل
ماء الحياة بذلة كجهنم ، وجهنم بالعز أطيب منزل."
" ذهب الذين يُعاش في أكنافهم "
فقالت " يا ويح لبيد ماذا كان سيقول لو رأى زماننا ".
فما بالنا نحن اليوم.؟

تعليقات
إرسال تعليق