فن الأنبطاح


 المتملقون.. تلك الكائنات البشرية التي لا تخلو منها المجالس، ولا تنقطع عن المؤسسات، ولا تغيب عن موكب أي شيخ أو مسؤول. إنهم موجودون بكثرة، كالأعشاب الضارة التي تنمو في كل أرض، التي لا تسمن ولا تغني من جوع ، بل تعيش فقط على امتصاص ما حولها. هؤلاء يظنون أن الانحناء فن، وأن الابتسام في وجه السخافة ذكاء عاطفي، وأن التصفيق عند كل كلمة باهتة نوع من الولاء . لقد تحوّل النفاق في زمنهم إلى عادة محمودة، وصار الكذب بطاقة VIP تُفتح بها الأبواب، وتُحجز بها المقاعد الأمامية في كل مجلس. أما الصدق، الذي كان يومًا شرفًا، فقد غدا في نظرهم علامة غباء. من يتكلم بصراحة عندهم “غبي عاطفياً” لا يعرف فنون التمثيل، ولا يجيد لغة الانحناء والتصفيق.

انظر إليهم في أي مجلس قبل دخول “الكبير”، تجدهم طبيعيين، يتحدثون، يضحكون، يبدون وكأنهم بشر. ولكن بمجرد أن يدخل الشيخ أو المسؤول، تراهم كأنهم تبدلوا: أصواتهم تهدأ فجأة، ضحكاتهم تتحول إلى قهقهات مصطنعة، عيونهم تلمع كالقطط التي تنتظر قطعة لحم. كأنّ أحدهم ضغط زرًّا فتغيّرت وجوههم جميعًا.                                                                                        

 أتباع الشيوخ، و”الديكور” المصاحب لأي مسؤول. تلك البقرات الضاحكة التي تضحك على أتفه النكات، وكأنها لم تسمع في حياتها شيئًا أظرف. يصفقون عند كل كلمة. يتظاهرون بالدهشة وكأنهم سمعوا اكتشافًا علميًا خطيرًا.يعزفون على وتر المشاعر ودغدغة الأنا.

 أنهم لا يكتفون بالنفاق لأنفسهم، بل يفرضونه على غيرهم. إذا لم تشاركهم الضحك المصطنع، اتهموك بالوقاحة. وإذا لم تصفق بحرارة، نظروا إليك كأنك ارتكبت جريمة. إنهم عبيد الصورة، وحراس الوهم، يرون في تزيين الباطل بطولة، وفي قول الحق تهورًا. يبررون خنوعهم بمغالطات مكشوفة: “الاحتكام للكبير حكمة”، “التواضع أدب”، بينما هم في الحقيقة لا يمارسون تواضعًا، بل عبودية. يصغرون أنفسهم عمدًا، يصغرون كل من حولهم، حتى يرفعوا صورة “الكبير” أكثر مما يستحق. وكلما زاد انبطاحهم، زادوا إيمانًا أنهم أذكياء عاطفيًا. الموكب الذي يعوي خلف القافلة. الكثير من الضجيج، وجوه متشابهة لا فرق بينها وبين الأقنعة. تراهم يركضون خلف كل سلطة، يمدحونها حتى لو كانت فارغة، يقدسونها كما تُقدس البقر في بعض البلدان. فالمهم عندهم ألا يخسروا مقعدهم قرب “الظل الكبير”.

لم يعودوا يخجلون من نفاقهم. في الماضي كان المنافق على الأقل يُخفي تناقضاته، أما اليوم فقد صاروا يتبجحون بها. يتحدث أحدهم بفخر عن “ذكائه العاطفي” لأنه استطاع أن يضحك على المسؤول، أو يفتخر بأنه صمت عند سماع كذبة ضخمة لأنه “ليس من الحكمة الاعتراض”. صار الانبطاح بالنسبة لهم دبلوماسية، والنفاق استراتيجية، والتصفيق المستمر أسلوب حياة.

 ولأنهم كثر، تراهم ينتجون بيئة كاملة من الزيف، حيث يصبح الصدق شذوذًا، والاستقامة تهورًا، والمروءة غباءً اجتماعيًا. إنهم كالظل الثقيل الذي يخنق أي محاولة لقول الحق، ويغطي أي بصيص نور بالحكايات الكاذبة والتصفيق المزعج.                            

هؤلاء المتملقون هم الخطر الحقيقي على أي مجتمع، أكثر خطرًا من أي عدو خارجي. لأن العدو يُرى بوضوح، بينما هم يعيشون بيننا بوجوه ضاحكة وألسنة معسولة، يزينون الخطأ ويبررون العجز، حتى يصبح الوهم حقيقة. إنهم وقود الاستبداد وزينة الطغيان، ومن دونهم لما استمر شيخ متكبر ولا مسؤول فارغ.

 
المتملقون المنبطحون ليسوا مجرد أفراد ضعفاء الشخصية، بل هم مؤسسة كاملة للنفاق، جيش من الأقنعة، يسير خلف القافلة يعوي، ويظن أنه يحميها. ولعل أقسى عقوبة لهم أنهم يعيشون بلا كرامة، يبيعون الصدق بثمن بخس، ويشترون العبودية على أنها ذكاء. تحول النفاق عندهم إلى فضيلة،

 ختاماً، لو كان النفاق عملة، لكان هؤلاء المتملقون أغنى أغنياء الأرض، لكنهم في الحقيقة أفقر الناس؛ يملكون كل شيء إلا العزة والكرامة.


يقول عنترة:
"لا تسقني ماء الحياة بذلة ، بل فاسقني بالعز كأس الحنظل
ماء الحياة بذلة كجهنم ، وجهنم بالعز أطيب منزل."

اما ام المؤمنين عائشة تعجبت من قول لبيد ابن ربيعة في معلقته:
" ذهب الذين يُعاش في أكنافهم "
فقالت " يا ويح لبيد ماذا كان سيقول لو رأى زماننا ".
فما بالنا نحن اليوم.؟

تعليقات